مجمع البحوث الاسلامية

738

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بأن قال : إنّ هذا الاستثناء منقطع ، وهو قول محمّد بن جرير الطّبريّ ، فقال : اليهود قد ضربت عليهم الذّلّة سواء كانوا على عهد من اللّه أو لم يكونوا ، فلا يخرجون بهذا الاستثناء من الذّلّة إلى العزّة ، فقوله : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ تقديره : لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه وحبل من النّاس . واعلم أنّ هذا ضعيف ، لأنّ حمل لفظ ( الّا ) على « لكن » خلاف الظّاهر ، وأيضا إذا حملنا الكلام على أنّ المراد : لكن قد يعتصمون بحبل من اللّه وحبل من النّاس ، لم يتمّ هذا القدر ، فلا بدّ من إضمار الشّيء الّذي يعتصمون بهذه الأشياء لأجل الحذر عنه ، والإضمار خلاف الأصل ، فلا يصار إلى هذه الأشياء إلّا عند الضّرورة ، فإذا كان لا ضرورة هاهنا إلى ذلك كان المصير إليه غير جائز . بل هاهنا وجه آخر ، وهو أن يحمل الذّلّة على كلّ هذه الأشياء ، أعني القتل والأسر ، وسبي الذّراريّ وأخذ المال وإلحاق الصّغار والمهانة ، ويكون فائدة الاستثناء هو أنّه لا يبقى مجموع هذه الأحكام ؛ وذلك لا ينافي بقاء بعض هذه الأحكام ، وهو أخذ القليل من أموالهم الّذي هو مسمّى بالجزية ، وبقاء المهانة والحقارة والصّغار فيهم ، فهذا هو القول في هذا الموضع . المسألة الثّالثة : إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ فيه وجوه : الأوّل : قال الفرّاء : التّقدير : إلّا أن يعتصموا بحبل من اللّه ، وأنشد على ذلك : رأتني بحبلها فصدّت مخافة * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق واعترضوا عليه ، فقالوا : لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته ، لأنّ الموصول هو الأصل ، والصّلة فرع ، فيجوز حذف الفرع لدلالة الأصل عليه ، أمّا حذف الأصل وإبقاء الفرع فهو غير جائز . الثّاني : أنّ هذا الاستثناء واقع على طريق المعنى ، لأنّ معنى ضرب الذّلّة لزومها إيّاهم على أشدّ الوجوه بحيث لا تفارقهم ولا تنفكّ عنهم ، فكأنّه قيل : لا تنفكّ عنهم الذّلّة ، ولن يتخلّصوا عنها إلّا بحبل من اللّه وحبل من النّاس . الثّالث : أن تكون الباء بمعنى « مع » كقولهم : اخرج بنا نفعل كذا ، أي معنا ، والتّقدير : إلّا مع حبل من اللّه . المسألة الرّابعة : المراد من ( حبل اللّه ) : عهده . وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ العهد إنّما سمّي بالحبل ، لأنّ الإنسان لمّا كان قبل العهد خائفا ، صار ذلك الخوف مانعا له من الوصول إلى مطلوبه ، فإذا حصل العهد توصّل بذلك العهد إلى الوصول إلى مطلوبه ، فصار ذلك شبيها بالحبل الّذي من تمسّك به تخلّص من خوف الضّرر . فإن قيل : إنّه عطف على حبل اللّه حبلا من النّاس ، وذلك يقتضي المغايرة ، فكيف هذه المغايرة ؟ قلنا : قال بعضهم : ( حبل اللّه ) هو الإسلام ، و ( حبل النّاس ) هو العهد والذّمّة . وهذا بعيد ، لأنّه لو كان المراد ذلك ، لقال : أو حبل من النّاس . وقال آخرون : المراد بكلا الحبلين : العهد والذّمّة والأمان ، وإنّما ذكر تعالى الحبلين ، لأنّ الأمان المأخوذ من المؤمنين هو الأمان المأخوذ بإذن اللّه ، وهذا عندي أيضا ضعيف . والّذي عندي فيه : أنّ الأمان الحاصل للذّمّيّ